محمد هادي معرفة

423

التمهيد في علوم القرآن

إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ « 1 » . فكنّى بالنعجة عن المرأة كعادة العرب في ذلك ، لأنّ ترك التصريح بذكر المرأة أجمل منه ، ولهذا لم تذكر في القرآن امرأة باسمها إلّا مريم . قال السهيلي : وإنما ذكرت « مريم » باسمها على خلاف عادة الفصحاء لنكتة ، وهي أنّ الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملأ ، ولا يبتذلون أسماءهنّ ، بل يكنّون عن الزوجة بالفرس والعيال ونحو ذلك ، فإذا ذكروا الإماء لم يكنّوا عنهنّ ولم يصونوا أسماءهنّ عن الذكر ، فلمّا قالت النصارى في مريم ما قالوا صرّح اللّه باسمها ، ولو لم يكن تأكيدا للعبودية التي هي صفة لها وتأكيدا لأنّ عيسى لا أب له وإلّا لنسب إليه . ثالثها : أن يكون في التصريح ممّا يستقبح ذكره ، ككناية اللّه عن الجماع بالملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث والدخول والسرّ في قوله : وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا « 2 » . والغشيان في قوله : فَلَمَّا تَغَشَّاها « 3 » . أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ، قال : المباشرة الجماع ، ولكنّ اللّه يكني . وأخرج عنه ، قال : إنّ اللّه كريم يكنّى ما شاء ، وإنّ الرفث هو الجماع . وكنّى عن طلبه بالمراودة في قوله : وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ « 4 » . وعنه أو عن المعانقة باللباس في قوله : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ « 5 » وبالحرث في قوله : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ « 6 » . وكنّى عن البول ونحوه بالغائط في قوله أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ « 7 » ، وأصله المكان المطمئنّ من الأرض .

--> ( 1 ) ص : 23 . ( 2 ) البقرة : 235 . ( 3 ) الأعراف : 189 . ( 4 ) يوسف : 23 . ( 5 ) البقرة : 187 . ( 6 ) البقرة : 223 . ( 7 ) البقرة : 223 . ( 7 ) المائدة : 6 .